يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
522
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فيمن أخذ منهم الدراهم ، فضلا عن المثاقيل ، المتلبس بمال السلطان كالسفينة في البحر ، إن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه . وما أقبح بالعالم أن يزور العامل ، ولذلك قال الأوزاعي : ما شيء أبغض على اللّه من عالم يزور عاملا . وقال مكحول الدمشقي : من تعلم القرآن وتفقه في الدين ثم صاحب السلطان تملقا إليه وطمعا فيما بين يديه ؛ خاض في بحار جهنم بعدد خطاه . وقال سعيد بن المسيب : إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فهو لص . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم ، فإن كل محب يخوض فيما أحب . وقال الفضيل بن عياض : لو كان للعلماء صبر ما تمندل هؤلاء بهم . وقال أيضا : واسوأتاه من أن يقال فلان القارئ قدم حاجا في نفقة فلان الفاجر . والكلام الجامع في هذا المعنى : من اقترب من السلطان افتتن ، ومن ابتلي بالدخول عليهم والقرب منهم فليسكت ، كما فعل الأحنف عند معاوية رضي اللّه عنهما : روى الحسن قال : ذكروا شيئا عند معاوية ، فتكلموا فيه والأحنف ساكت ، فقال معاوية : يا أبا بحر ما لك لا تتكلم ؟ فقال : أخشى اللّه إن كنت كذبت ، وأخشاكم إن صدقت . ومثله ما حدّث سفيان قال : قدم الحجاج على عبد الملك وافدا ، ومعه معاوية بن قرة ، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج ، فقال : إن صدقناكم قتلتمونا ، وإن كذبناكم خشينا اللّه ، فنظر إليه الحجاج فقال له عبد الملك : لا تتعرض له ، فنفاه الحجاج إلى السند . وأقوى من هؤلاء قال بعض العلماء : من ابتلي بالدخول عليهم فعليه أن يقول الحق ولا يداهن ولا يمالئ ، ويصبر على الإذاية في اللّه ، ولا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وعليه أن يقول الحق وإن كان مرا ، ويتقي اللّه سرا وجهرا ، فيحب في اللّه البعيد ، ويبغض في اللّه القريب ، كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أحب للّه وأبغض للّه ، وعاد في اللّه ، ووال في اللّه ، فإنه لا تنال ولاية اللّه إلا بذلك ، ولا يجد رجل طعم الإيمان ؛ وإن كثرت صلاته وصيامه ؛ حتى يكون كذلك . ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال : يا معشر الحواريين تحببوا إلى اللّه ببغضكم أهل المعاصي ، وتقربوا إلى اللّه بما يباعدكم منهم ، والتمسوا رضاه بسخطهم . وتمام الخبر : يا روح اللّه فمن نجالس ؟ قال : من تذكركم باللّه رؤيته ، ومن يزيد في علمكم منطقه ، ومن يرغبكم في الآخرة عمله . وقول الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين : ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا ، وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ، فيه تصديق لما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم .